الواحدي النيسابوري

مقدمة 31

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

على مر الليالي تنخفض الهمم وتتراجع ، حتى عادوا بلها قطرة ، ولم نشاهد مما كانت عليه ذرة ، ذلك قضاء من اللّه تعالى مبرم ، ووعد من الرسول محكم ، بانتزاع العلم وقبضه » ثم روى بسنده عن عبد اللّه ابن عمر : أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ؛ كلّما ذهب عالم ذهب بما معه ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهّالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا » . صدق - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقد قبضت الفحول ، وهلكت الوعول ، وانقرض زمان العلم ، وخمدت جمرته ، وهزمته كرة الجهل ، وعلت دولته ، ولم يبق إلا صبابة نتجرعها ، وأطمار نجتابها ونتدرعها ، وعليها يحال ، فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب في التفسير لم أسبق إلى مثله ، وطال علىّ الأمر في ذلك لشرائط تقلدتها ، ومواجب لحق النصيحة لكتاب اللّه تحملتها ، ثم استعجلنى - قبل إتمامه ، والتفصي عما لزمني من عهدة إحكامه - نفر متقاصر والرغبات ، منخفضو الدرجات ، أولو البضائع المزجاة ، إلى إيجاز كتاب في التفسير يقرب على من يتناوله ، ويسهل على من يتأمله ، من أوجز ما عمل في بابه ، وأعظم عائدة على متحفظيه وأصحابه . وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا ، تعجيلا لمنفعتهم ، وتحصيلا للمثوبة في إفادتهم ، بما تمنوه طويلا ، فلم يغن عنهم أحد فتيلا ، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس . - رحمه اللّه - ، أو من هو في مثل درجته ، كما يترجم عن اللفظ العويص بأسهل منه ، وهذا حين أفتتحه فأقول : « سورة الفاتحة » بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أي ابتدءوا وافتتحوا بحمد اللّه تيمنا وتبركا . و اللَّهِ : اسم تفرد به الباري سبحانه ، يجرى في وصفه مجرى الأسماء الأعلام ، لا يعرف له اشتقاق ، وقيل معناه : ذو العبادة التي بها يقصد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ : صفتان للّه تعالى ، معناهما : ذو الرحمة ، وهي إرادته الخير . ولا فرق بينهما ، نحو ندمان ونديم » وبهذا العرض يتبين الفرق بين كتابي « البسيط » و « الوجيز » للواحدي .